ححبقلم: عبد الرحمن عثمان – لموقع “آفاق عالمية للدراسات والترجمة”
من بين القامات الفكرية التي طبعت الحياة الثقافية العربية بطابع التجديد والتأصيل في آنٍ معًا، يبرز اسم أحمد زكي باشا، المعروف بلقبه الشهير “شيخ العروبة”، كواحد من الرواد الذين قدموا خدمات جليلة للغة العربية، ليس فقط في ميدان الترجمة والتحقيق، بل في تطوير أدوات الكتابة نفسها، وعلى رأسها إدخال علامات الترقيم إلى النصوص العربية.
من هو أحمد زكي باشا؟
هو أحمد زكي بن إبراهيم بن عبد الله النجار، وُلد في مدينة الإسكندرية عام ١٨٦٧، وتلقى تعليمه في القاهرة، حيث تخرج من مدرسة الحقوق عام ١٨٨٧. أتقن عدة لغات أجنبية منها الفرنسية، التي برع فيها بشكل لافت، إلى جانب الإنجليزية والإيطالية واللاتينية. وقد ساعده هذا التعدد اللغوي في الاطلاع على ثقافات متنوعة، مما انعكس بشكل مباشر على إسهاماته الفكرية واللغوية.
إدخال علامات الترقيم
يرتبط اسم أحمد زكي باشا في الذاكرة الثقافية العربية بحدث فارق في تاريخ الكتابة العربية، وهو إدخال علامات الترقيم إلى النصوص المكتوبة باللغة العربية، وذلك في بدايات القرن العشرين.
فخلال مشاركته في مؤتمر المستشرقين في أوروبا عام ١٩١٢، لاحظ استخدام علامات الترقيم في اللغات الأوروبية، ووجد أنها تساهم في تسهيل الفهم، وتنظيم الجمل، وضبط الإلقاء.
عاد إلى مصر ليقترح إدخال هذا النظام إلى اللغة العربية، ودوّن فكرته في كتيّب خاص بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية”، وضع فيه أسس الترقيم وقواعد استخدامه، بما يتوافق مع خصائص اللغة العربية.
ومن أبرز علامات الترقيم التي نقلها وشرح استخدامها:
• الفاصلة ،
• الفاصلة المنقوطة ؛
• النقطة .
• علامة الاستفهام ؟
• علامة التعجب !
• النقطتان الرأسيتان :
• نقاط الحذف …
• الشرطة —
• التضبيب “…”
• القوسان ( )
لقد كانت هذه الإضافة نقلة نوعية في عالم الكتابة، وفتحت آفاقًا جديدة أمام القرّاء والكتّاب على حد سواء لفهم أدق للمعنى وتحديد المقاطع والوقفات والإيقاع السليم للجمل.
إسهامات أخرى لأحمد زكي باشا
لم يتوقف عطاء أحمد زكي باشا عند حدود الترقيم، بل كان له دور ريادي في عدة مجالات، منها:
• اختصار حروف الطباعة العربية: حيث قام بتقليص عدد أشكال الحروف من ٩٠٥ شكلاً إلى ١٣٢ شكلاً و٤٦ علامة، وذلك بعد تجارب يومية شاقة في مطبعة بولاق استغرقت ثلاثة أشهر، مما ساهم في تسهيل عملية الطباعة بشكل كبير.
• استخدام مصطلح “تحقيق”: وهو أول من أطلق هذا المصطلح على أغلفة الكتب العربية المحققة، وهو ما أصبح لاحقًا عرفًا علميًّا في مجال نشر التراث.
• عمله في الدولة: شغل مناصب حكومية رفيعة، أبرزها مترجم بمجلس الوزراء، كما تولى رئاسة جامعة القاهرة، وهو ما أتاح له دعم الحركة العلمية والثقافية من مواقع صنع القرار.
• مكتبته الشخصية: كوّن مكتبة علمية ضخمة من ماله الخاص، كانت من أغنى المكتبات في المشرق الإسلامي، وقد جمعها خلال رحلاته وسعيه لاقتناء الكتب والمخطوطات النادرة.
وفاته وإرثه
في الخامس من يوليو عام ١٩٣٤، رحل أحمد زكي باشا عن عالمنا بعد إصابته بنزلة برد حادة، تاركًا وراءه تراثًا لغويًّا وفكريًّا خالدًا، لا يزال أثره ملموسًا في كل نص عربي منسّق، وفي كل جملة تنتهي بنقطة، أو تُعبر عن دهشة بعلامة تعجب، أو يُطرح فيها سؤال بعلامة استفهام.
لقد كان بحق رائدًا في تحديث الكتابة العربية، وفتح بابًا لا يمكن إغلاقه نحو تطوير أدوات التعبير ووضوح المعنى.
⸻
للتوثيق والمراجع، يمكن الرجوع إلى كتاب “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” لأحمد زكي باشا، والعديد من الدراسات المعاصرة حول تطور الكتابة العربية الحديثة.
