في مثل هذا اليوم التاسع من يوليو عام ألفين وستة، فقدت مصر والعالم العربي واحدًا من أبرز رواد الكوميديا والدراما، الفنان القدير عبد المنعم مدبولي، الذي ترك بصمة لا تمحى على خشبة المسرح وشاشة السينما والتليفزيون والإذاعة.
وُلد مدبولي في حي باب الشعرية بالقاهرة في الثامن والعشرين من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين. بدأت موهبته في التمثيل مبكرًا أثناء دراسته الابتدائية عندما قاد الفرقة المسرحية بالمدرسة، ثم التحق بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي وتخرج فيه عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين ضمن ثاني دفعاته.
بدأ مشواره من البرنامج الإذاعي الشهير «ساعة لقلبك» الذي أسس لمدرسة كوميديا اجتماعية ساخرة قريبة من الناس، قبل أن يواصل رحلته مع المسرح بانضمامه إلى فرقة جورج أبيض ثم فرقة فاطمة رشدي، ويشارك في برامج الأطفال الإذاعية ضمن حلقات بابا شارو. كان أيضًا أحد نجوم فرقة المسرح المصري الحديث التي شكلها زكي طليمات، ليؤدي أول أدواره بدور أعرابي، ثم أسس فرقة المسرح الحر عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين.
قدم مدبولي خلال مشواره أعمالًا مسرحية خالدة، منها «أنا وهو وهي»، «السكرتير الفني»، «البيجاما الحمراء»، «العيال الطيبين»، وغيرها من المسرحيات التي تولى إخراجها وتمثيلها. وشارك أيضًا في تكوين فرقة الفنانين المتحدين، قبل أن ينفصل عنها ويؤسس فرقته الخاصة «المدبوليزم» التي تركت بصمة مميزة في المسرح المصري.
أما في السينما، فقد تأخر دخوله إليها حتى عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين بفيلم «أيامي السعيدة»، ليواصل بعدها تقديم أدوار متنوعة جمعت بين الكوميديا والبُعد الإنساني والاجتماعي. تخرج على يديه عدد من نجوم الكوميديا الكبار مثل عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي ومحمد صبحي، كما كان له فضل كبير في تقديم الفنان أحمد زكي للجمهور لأول مرة في مسرحية «هالو شلبي».
وعلى الشاشة الصغيرة، لا ينسى الجمهور أعماله الخالدة مثل «لا يا ابنتي العزيزة» و«أبنائي الأعزاء.. شكرًا» الذي اشتهر فيه بشخصية «بابا عبده»، ليظل رمزًا للأب الطيب الحنون في ذاكرة الدراما المصرية.
بعيدًا عن الأضواء، كان عبد المنعم مدبولي فنانًا تشكيليًا مرهفًا، إذ أقام معرضًا للوحات من أعماله قبل رحيله بعامين، وهو الوجه الآخر المجهول للفنان الكبير الذي لم يكتمل توثيقه حتى اليوم، رغم وعد النقاد بإنجاز كتاب يخلّد سيرته.
حظي الفنان الكبير طوال مسيرته بالعديد من مظاهر التكريم، منها جائزة تكريمية بمهرجان زكي طليمات، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين، كما كُرم اسمه في المهرجان القومي للمسرح المصري.
رحل عبد المنعم مدبولي عن عالمنا في مثل هذا اليوم، تاركًا إرثًا إبداعيًا خالدًا ساهم في رسم ملامح الكوميديا المصرية الحديثة عبر عقود من العطاء والتميز.
